الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

20

نفحات القرآن

وأمّا الذين يؤمنون بإرسال الرّسُل وانزال الكتب السماوية من قِبَل اللَّه تعالى فهم يفهمون مسألة ضرورة الحكومة بشكل أوضح وأكثر بياناً ، لأنّهم يؤيدون من جهة ، الأهداف التي من أجلها بُعِثَ الأنبياء والتي ذُكِرَتْ في المصادر اللاهوتية ، إضافة إلى الأدلة العقلية التي تسندها ، ومن جهة أُخرى ، فإنّ الوضع بدون تشكيل الحكومة لا يمكن أن يُطاق أبداً ، فمثلًا إِنَّ مسألة التربية الصحيحة والتعليم وتزكية النفوس وتطهيرها لا يمكن أجراؤها دون وجود الحكومة . والآن تصوّروا أنَّ جميع المدارس والجامعات في عصرنا الحاضر هي تحت سلطة حكومة علمانية أو أنّها لاتعير أهميّة للقيم الدينية ، وأنَّ وسائل الاعلام كالراديو والتلفزيون والصُّحف تُدار أيضاً من قِبَل نفس النظام ، ثم سعينا عن طريق النصائح والإرشادات أو على الأكثر الاستفادة من المساجد والمنابر لتعليم الناس أهداف ومبادىء الأنبياء والتعليم والتربية الدينية ، فإننا حتماً لن نصل إلى أيّ مردود ، بل ستبقى أنواره ضعيفة في قلوب بعض الأتقياء وهم أقلية ، ولكن متى ما تشكّلت حكومة تبني أساسها على الإيمان والتوحيد والاعتقاد باللَّه وتؤمن بالمقدّسات وتأخذ أمر هذه المراكز الحساسة على عاتقها ، فإنّ الأمر حينئذٍ سيختلف تماماً . وبالنسبة إلى موضوع ( العدالة الاجتماعية ) و ( قيام الناس بالقسط ) وهما الهدف الآخر فإنّ الأمر يبقى هو هو ، إذ كيف يمكن إقامة القسط والعدل مع وجود حكومة ظالمة تفتقدُ إلى الإيمان والدين أو عميلة ومرتبطة بالاستكبار والاستعمار ؟ وباختصار ، فإنّ أيّاً من الأهداف التي جاء من أجلها الأنبياء لا يمكن تحقيق الجزء الأعظم منها إلّابوجود الحكومة ، ولذا نرى أنَّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله لم يكن ليتمكّن من الوصول إلى الأهداف الإسلامية السامية إلّابعد أن قام بتشكيل الحكومة ، وكذلك الحال مع الأنبياء الآخرين الذين استطاعوا التوصل إلى التوفيق المنقطع النظير بعد أن قاموا بتكوين الحكومة ، بينما ظَلَّ أولئك الأنبياء الذين لم يحققّوا نجاحاً في تشكيل الحكومة مضطهدين من قِبَلِ الطبقات الفاسدة في مجتمعهم .